السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أحببت أن أشارككم تجربة شخصية تعلمت منها دروسًا مهمة، أرى أنها لا تخص دورة أو وظيفة بعينها، بل يمكن الاستفادة منها في الدراسة والعمل والأهداف والحياة بشكل عام.
أنا بطبيعتي شخص رياضي ومنضبط، وأؤمن بأهمية تطوير النفس وخوض التحديات.
وفي مرحلة من حياتي، ورغم أنني كنت مهندسًا ومدير إدارة وأسير في مسار مهني واضح، قررت أن أتحدى نفسي من خلال دخول دورة الصاعقة.
كنت أؤمن وقتها أن الإنسان يجب أن يتحدى نفسه، وأن إكمال ما يبدأه دليل قوة.
لذلك دخلت الدورة.
بل دخلتها مرتين.
وفي المرتين وصلت إلى مراحل متقدمة، وكان الضباط المشرفون يبلغونني أن ترتيبي الأول حتى لحظة خروجي.
وفي المرتين خرجت بقرار طبي.
وفي المرة الثانية كان لدي حافز إضافي للاستمرار، حيث كان هناك توجه لتوثيق التجربة إعلاميًا، وكنت متحمسًا للفكرة. لكن أثناء وجودي في الدورة أُبلغت بعدم صدور الموافقة النهائية على المشروع، وذلك قبل خروجي من الدورة.
ومع مرور الوقت بدأت أطرح على نفسي سؤالًا بسيطًا:
لماذا أنا هنا؟
ثم تحول السؤال إلى:
إلى أين يقودني هذا الطريق؟
في البداية كنت أقاوم هذا السؤال.
كنت أقول لنفسي: أكمل… تحمّل… لا تتراجع.
لكنني اكتشفت لاحقًا أن السؤال الحقيقي لم يكن: هل أستطيع أن أكمل؟
بل أصبح: هل هذا الطريق يخدم الوجهة التي أريد الوصول إليها؟
وهنا كانت نقطة التحول.
جلست وأعدت تقييم أهدافي وأولوياتي، ونظرت إلى مستقبلي، وإلى المسار الذي أريد أن أبني عليه حياتي.
واكتشفت أنني كنت أركز على التحدي أكثر من تركيزي على الاتجاه.
وأدركت أن هناك فرقًا كبيرًا بين إثبات القدرة وبين اختيار المسار.
فلو كانت القضية إثبات قدرة، لكنت قد أثبت لنفسي ما أحتاج إلى إثباته.
أما القضية الحقيقية فلم تكن إثبات القدرة، بل اختيار الاتجاه الصحيح.
وخلال هذه المراجعة اكتشفت أمرًا آخر لا يقل أهمية.
كانت لدي ثوابت أحرص عليها في حياتي، مثل صحتي، ونمط حياتي، وأولوياتي، لكنني وضعت نفسي في مسار يتعارض مع بعضها دون أن أنتبه لذلك منذ البداية.
وحينها أدركت أن القضية لم تعد مجرد اختيار طريق يخدم أهدافي، بل أصبحت:
هل يستحق هذا الطريق أن أتنازل من أجله عن بعض ثوابتي؟
وبالنسبة لي، كانت الإجابة: لا.
فأدركت أن الوقت أثمن من أن أستهلكه، وأن ثوابتي أثمن من أن أتجاوزها، في مسار لا أجد ما يبرر ذلك التنازل من أجله.
فالقضية ليست أن الطريق يستغرق أربعة أشهر أو أقل أو أكثر.
القضية هي: أين أضع هذا الوقت؟ وأين أضع هذا الجهد؟ وأين أضع هذه الموارد؟
فالنجاح لا يتعلق فقط بحجم ما نبذله، بل بالمكان الذي نستثمر فيه وقتنا وجهدنا ومواردنا.
وبعد فترة من إعادة التقييم، بدأت تظهر لي فرص ومسارات أخرى رأيت أنها أقرب إلى أهدافي وخطتي المستقبلية.
حينها أدركت أن اتخاذ القرار الصحيح لا يعني أن الطريق الآخر سيئ.
بل يعني فقط أن هناك طريقًا آخر أنسب لي في هذه المرحلة من حياتي.
ومن هنا تعلمت أن ليس كل طريق أستطيع السير فيه هو الطريق الذي ينبغي أن أسير فيه، وليس كل تحدٍ يستحق أن أبذل وقتي وصحتي وجهدي من أجله.
كما تعلمت أن الشجاعة ليست دائمًا أن تستمر.
أحيانًا الشجاعة أن تواجه نفسك بالحقيقة، وأحيانًا الشجاعة أن تعيد التقييم، وأحيانًا الحكمة أن تغيّر الاتجاه عندما تكتشف أن هناك طريقًا أقرب إلى أهدافك وأكثر اتساقًا مع مبادئك وثوابتك.
وأود أن أوضح أن حديثي هنا ليس تقليلًا من قيمة دورة الصاعقة أو من قيمة من أكملها.
فهذه الدورة لها مكانتها وقيمتها، وقد تكون خيارًا ممتازًا لمن يخدم مساره المهني هذا النوع من التأهيل.
لكن الدرس الذي تعلمته هو أن ما يناسب شخصًا قد لا يناسب شخصًا آخر، وأن على كل إنسان أن يقيّم قراراته وفق أهدافه وثوابته وظروفه والمسار الذي يريد أن يبني عليه مستقبله.
الدروس التي خرجت بها من هذه التجربة
- العناد يجعل الإنسان يستمر، لكن الحكمة تجعله يختار الاتجاه.
- التحدي وسيلة، وليس هدفًا بحد ذاته.
- ليس كل ما أستطيع فعله يستحق أن أبذل وقتي وجهدي ومواردي فيه.
- النجاح لا يتعلق فقط بحجم الجهد، بل بمكان وضع هذا الجهد.
- الثوابت ليست عائقًا أمام النجاح، بل إطار يحميه.
- إعادة التقييم ليست ضعفًا، بل علامة نضج ووعي.
- الشجاعة ليست دائمًا في الاستمرار، بل أحيانًا في اتخاذ القرار الصحيح.
وأهم ما خرجت به من هذه التجربة هو أنني أعدت التقييم، واخترت أن أستثمر وقتي وجهدي ومواردي فيما يخدم وجهتي، دون أن أتجاوز ثوابتي إلا عندما يكون لذلك ما يبرره.
ولم تتوقف القصة عند هذا الدرس.
بعد هذه التجربة، شعرت أنني بحاجة إلى طريقة أوضح لاتخاذ القرارات، حتى لا أقع مستقبلًا في الاختيار بدافع الحماس، أو ضغط الآخرين، أو مجرد حب التحدي.
ومن هنا بدأت في بناء منهجية شخصية أسميتها PSM.
ولا تقوم هذه المنهجية على إجابة سؤال واحد، بل على طريقة تفكير تساعدني على اتخاذ القرار بصورة أكثر وعيًا، من خلال وضوح الوجهة، واحترام الثوابت، وحسن استثمار الوقت والجهد والموارد، مع الاستعداد لإعادة التقييم كلما ظهرت معطيات جديدة.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد السؤال الذي أقود به قراراتي: هل أستطيع؟
بل أصبح: هل يستحق هذا الطريق أن أستثمر فيه وقتي وجهدي ومواردي؟
ثم أسأل نفسي السؤال الذي غيّر كثيرًا من قراراتي:
وهل يوجد ما يبرر أن أتجاوز من أجله أحد ثوابتي؟
فإذا كانت الإجابة لا، فمهما كان الطريق مغريًا أو صعبًا أو يحمل تحديًا كبيرًا، فإنني أصبحت أؤمن أن أفضل قرار ليس دائمًا أصعب قرار، وإنما القرار الذي يقرّبني من وجهتي، ويحافظ على ثوابتي، ويحقق أفضل استثمار لوقتي وجهدي ومواردي.
فالتحدي الحقيقي ليس أن تثبت أنك تستطيع السير في كل طريق، بل أن تمتلك الحكمة لتختار الطريق الذي يستحق أن تسير فيه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.